سحر العطر، وفكاهة الجوكر.

#تنويه: تتضمن التدوينة أحداثًا من فيلم الجوكر، ورواية العطر.

تزامنت قراءة رواية العطر مع مُشاهدة فلم الجوكر الشهير، وعلى الرغم من أنّي متأخرة في مشاهدة هذا الفلم إلا أنّي سعيدة بهذه المزامنة؛ لأنهما معًا شكلا في ذهني صورة واقعية لفكرة (الشر)، و (شخصية القاتل)، و (حقيقة الإنسان)!

-ولعلَّ هذه الأفكار التي في عقلي تجعلني أعود للكتابة التي هجرتها طويلًا، وتساعدني مشاركتها على الفهم الأعمق لها، بل ولعلها تخفف بشكلٍ ما خناق الحجر المنزلي!-

  • هل هناك شرٌّ مطلق؟- كارل يونغ يجيب

لقد تربينا منذ صغرنا على التضاد، أيّ كل شيءٍ وله نقيضه، فمفردة النوم مثلًا تتبعها الاستيقاظ، والقليل يتبعه الكثير، والإيمان يتبعه الكفر، وهكذا فحتى الخير يتبعه الشر.. ولكن السؤال هنا هل هناك ليلٌ دائم؟ وكثيرٌ لا ينضب؟ وشرٌ مطلق!

لقد اتجه كثيرٌ من الفلاسفة إلى فكرة وجود جانب مظلم من كل إنسان، يركنه أحيانًا في لا وعيه معتقدًا بأنهُ صاحب فضيلةٍ دائمة لا يمكنه أن يرتكب أشنع الجرائم، بل وحتى أصغرها، فمن كان يعتقد أن آرثر فيلكس الرجل البار بأمه يمتلك غضب الحياة في قلبه، وأن الطفل البريء جان بايتيست غرينوي الباكي تحت قاذورات السمك من أكبر سفاحي المراهقات؟ حقًا لا أحد.

في المقابل لعلّنا نصدق أنهم قتلة، وسفاحين، ولكنّا لا نملك أدنى حالات الاحتمال على أننا قد نكون مكانهم، أو يومًا ما قد نرتكب جريمةً مثلهم..

” على الرغم من أن الظّل جزءٌ فُطريٌ من النفس البشرية، إلا أن الغالبية العظمى منا أعمى عن وجوده. نخفي فيه صفاتنا السلبية، ليس فقط عن الآخرين ولكن عن أنفسنا. للقيام بذلك، فإننا ننتقد وندين الآخرين في كثير من الأحيان لنضمن أن تركيزنا لا يقع على عيوبنا وميولنا المُدمرة. إننا نخوض الحياة مع كذبة زائفة من التفوّق الأخلاقي وإيمانٍ أعمى بأنه بينما يتصرف الآخرون بطريقة غير أخلاقية ومدمرة، فإننا أنفسنا أشخاص فاضلون تماماً ودائماً على صواب.” 1

يرى كارل يونغ أن الإنسان أعمى عن وجود ظلّه- أي ذاته المظلمة الخفيّة

لعلّنا نراها حينما نحسدُ صديقًا، أو نغضب من امتلاكِ أحدهم سيارة فارهه تمنيناها، ولكنّا رغم هذا لا نعترف بل نركنها بعيدًا في أغوار أرواحنا وكأنها لم تكن جزءًا متأصلًا في تكويننا، وهذا ما عناه كارل يونغ حينما أجزل أن ما يميزنا عن الآخرين هو الدرجة التي ندرك بها ظلنا!

تبعاتُ حياتنا لا تذهب عبثًا، مثل تراكمات الطفولة مثلًا، والانتقادات، والمواقف العصيبة، والخناقات، والذكريات الكئيبة، جميعها لها اليد الطولى في تغذية ظلنا من العائلة والأصدقاء والمجتمع فمن القائل أن الظل لا يحتوي إلا على الجوانب المدمرة؟

ظلالنا انعكاساتنا فلعلّنا حينما نبحث عنها، نميزها، نستطيع أن نفهم خلالها الكثير من الأحجيات.

  • شخصية القاتل

في فيلم الجوكر نرى شخصية آرثر المحطمة مجتمعيًا، الفقر المدقع، السخرية، والحالة المرضية التي تصاحبه حينما يضحك دون مناسبة، هذه الحكايات لم تأتي فجائية، ولم تصبه دفعة واحدة بل أتت تراكمية تدريجية تراكمت حول ذاته دون أن يشعر، فمأساة الطفولة مع والدته، وأسى الحياة شكلت في ذاته غضبًا تدريجيًا كبُرَ معه دون أن يشعر إلى أن قضى على الثلاثة في القطار.

أما عن غرينوي في العطر، فولادته الاستثنائية في سوق السمك، ومحاولة أمه في خنقه كبقية الأجنة التي حملتهم قبله، وتنقله بين الأماكن، وأشغاله الشاقة، لم تجعل منه سوى هاوٍ يصب نفح موهبته في شمّ الروائح جميعًا على عبق المراهقات الفريدة!، فالحياة مع آرثر كانت كوميدية كل دمٍ بالنسبة إليه نكتة، ومع غرينوي كان كلّ قتلٍ عبارة عن عطر يمدّه بالحياة.

لقد قرأتُ يومًا بأن (الشهرة) أحد الأسباب المؤدية إلى القتل، فحاجةُ الإنسان إلى الانتباه، أن يكون موجودًا، مثل حاجة آرثر في الفيلم حينما قال (إنهم لا يروني)، سببًا وجيهًا للشروع في ذلك، وكما شاهدتُ سابقًا في إحدى حلقات The mentalist  حينما اختلق أحدهم شخصية قاتل متسلسل شهير لينال الشهرة وأدى ذلك لتعرضه للقتل!

ولا شك، فنحن نعلم أن من أقسى المشاعر عن المرء حينما يدرك أن حياته لا تعدُّ سوى هامش!

  • يعيش الإنسان مدافعًا عن ….

فرَّ الجوكر في نهاية الفلم بفضل مناصريه، الذين رأوا من جرائمه دفاعًا عن أصالتهم في العيش وتحقيقًا لرغبتهم في نيل الحريّة، وعلى الرغم من اختلاف مساعيه ومساعيهم فقد اتحدوا معًا حتى يرى آرثر نفسه أسطورة بأعينهم، شخصًا مرغوبًا، مرئيًا، وكما فرَّ غرينوي من مقصلة الإعدام بفضل عطره الذي جعله معبودًا، آلهةً مقدسة في أعين الناظرين، وبالرغم من كراهته للإنسان، إلا أنه حقق الغاية بخلق عطرٍ جعله يملك الإنسان!

فلكلِّ إنسان قضية يدافع عنها، مبادئه الخاصة التي يسعى لنيل حرية اعتناقه بها.


  1. كارل يونغ والظل: القوّة الخفيّة لجانبنا المظلم

أُهزوجَةْ مَطَرْ*


 

وانتظرَتهُ تحتَ المطرْ، 

السماءُ ترعدُ كمسعورٍ فار.. وانتظرَتهُ!

حُلمها الأبدي أن يُراقصها هُنا تحتَ السماء الماطِره..

وانتظَرتهُ..

 

لمْ تكُن تسعى للأبديّة، ولطالما تمنّت الفناء

ولكنّها بكل الأبديّة.. انتظَرتهُ!

 

المطرُ بقوتِه، 

البردُ يعانقُ عظامها .. مواساةً، قسوةً، حُبًا..

ولا زالت، تنتظرْ!

 

تُمنّي قلبها المكلومَ بنظرةٍ، 

وتنشدُ القدر أن يُمهلها كل الوقت لتلتقي نظراتيهُما..

وانتظرَتهُ!

 

 

أيُّها المطر، 

يا معزوفة الوجود، 

يا لَحن أوتار قلبها،

يا نداءَ الحبِّ للعاشقين،

تمهّل معها قليلًا!

سبّحا، 

ولتفرُشا هذه الأرضَ للصلاة..

وانتظِرا، دعوةٌ للقيا.. لرؤيا.. لعناق..